ابو القاسم عبد الكريم القشيري
511
لطائف الإشارات
وقوله : « وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا » إخبار عن عين الجمع ، وقوله : « إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ » : إخبار عن عين الفرق « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 76 إلى 77 ] وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 76 ) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ( 77 ) كان نوح - عليه السلام - أطولهم عمرا ، وأكثرهم بلاء . ففي القصة أنه كان يضرب سبعين مرة ، وكان الرجل الهرم يحمل حفيده إليه ويقول . لا تقبل قول هذا الشيخ وكان يوصيه بمخالفته . وكان نوح - عليه السلام - يصبر على مقاساة الأذى ، ويدعوهم إلى اللّه ، فلمّا أيس من إيمانهم ، وأوحى إليه : « أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ » « 2 » دعا عليهم فقال : « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » « 3 » فقال تعالى : « وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ . . . . » فأزهق الشّرك وأغرق أهله . سورة الكهف . . . سورة مريم . . . سوره طه . . . قوله جل ذكره [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 78 إلى 79 ] وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ( 78 ) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) أشركهم في حكم النبوة وإن كان بين درجتيهما تفاوت . . ففي مسألة واحدة أثبت لسليمان - عليه السلام - بها خصوصية ؛ إذ منّ عليه بقوله : « فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ » ولم بمن عليه بشئ من الملك الذي أعطاه بمثل ما منّ عليه بذلك ، وفي هذه المسألة دلالة على تصويب المجتهدين - وإن اختلفوا - إذا كان اختلافهم في فروع الدّين ؛ حيث قال : « وَكُلًّا آتَيْنا
--> ( 1 ) لأن الرحمة من صفات ذاته - سبحانه ، وصلاح العبد فيه شئ من كسب العبد . ( 2 ) آية 36 سورة هود . ( 3 ) آية 26 سورة نوح .